ابن عجيبة

192

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أي : إلى بلقيس وقومها ؛ لأنه ذكرهم معها في قوله : وَجَدْتُها وَقَوْمَها ، وبنى الخطاب على لفظ الجمع لذلك . ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ أي : تنح عنهم إلى مكان قريب ، بحيث تراهم ولا يرونك ، ليكون ما يقولون بمسمع منك ، فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ أي : ما الذي يردّونه من الجواب ، أو : ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول . فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره ، ودخل عليها من كوّة ، فطرح الكتاب على نحرها ، وهي راقدة ، وتوارى في الكوة . وقيل : نقرها ، فانتبهت فزعة ، أو : أتاها والجنود حولها ، فوقف ساعة يرفرف فوق رؤوسهم ، ثم طرح الكتاب في حجرها ، وكانت قارئة ، فلما رأت الخاتم قالَتْ لأشراف قومها وهي خائفة : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ، وصفته بالكرم لكرم مضمونه ؛ إذ هو حق ، أو : لأنه من ملك كريم ، أو : لكونه مختوما . قال - عليه الصلاة والسلام - : « كرم الكتاب ختمه » « 1 » أو : لكونه مصدرا بالتسمية ، أو : لغرابة شأنه ، ووصوله إليها على وجه خرق العادة . ومضمونه والمكتوب فيه : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، وهذا تبيين لما ألقى إليها ، كأنها لما قالت : أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ قيل لها : ممن هو وما هو ؟ فقالت : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ ، « إن » : مفسرة ، أي : لا تترفعوا علىّ ولا تتكبروا ، كما يفعل جبابرة الملوك ، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ : مؤمنين ، أو : منقادين ، وليس فيه الأمر بالإسلام . وقيل : إقامة الحجة على رسالته ؛ لأن إلقاء الكتاب على تلك الصفة معجزة باهرة . قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ، كررت حكاية قولها إيذانا بغاية اعتنائها بما في حيزه : أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أي : أجيبوني في أمرى ، الذي حزبنى وذكرته لكم ، وعبّرت عن الجواب بالفتوى ، الذي هو الجواب عن الحوادث المشكلة غالبا ؛ تهويلا للأمر ، ورفعا لمحلهم ، بالإشعار بأنهم قادرون على حل المشكلات الملمة . ثم قالت : ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً من الأمور المتعلقة بالمملكة حَتَّى تَشْهَدُونِ بكسر النون ، ولا يصح الفتح ؛ لأنه يحذف للناصب . وأصله : تشهدوننى ، فحذفت الأولى للناصب وبقي نون الوقاية ، أي : تحضروني ، وتشهدوا أنه على صواب ، أي : لا أقطع أمرا إلا بمحضركم . وقيل : كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، كل واحد على عشرة آلاف . قالُوا في جوابها : نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ أي : نجدة وشجاعة ، فأرادوا بالقوة : قوة الأجساد والآلات ، وبالبأس : النجدة والبلاء في الحرب . وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أي : هو موكل إليك فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ،

--> ( 1 ) رواه الطبراني في الأوسط ( ح 3872 ) والشهاب القضاعي في مسنده ( ح 39 ) عن ابن عباس رضي اللّه عنه . وفي سنده السدى الصغير ، متروك . انظر مجمع الزوائد ( 8 / 99 ) .